انتقل إلى المحتوى

الفصل 1

الجرّة الفارغة

الستّ زينب تقرّب جرّة إلى أذن هادي وليلى تشير إلى جرّة فارغة ختمها سليم

كان هادي يجمع الأصوات كما يجمع غيره الطوابع.

كان في الثالثة عشرة، يعلّق سمّاعات كبيرة حول عنقه حتى حين لا يستمع إلى شيء، ويلبس سترة صفراء بلون الخردل، في جيبها جهاز تسجيل صغير قديم، أعطاه إياه جدّه قبل أن يرحل. وكان يسجّل كل شيء: صوت المطر على سطح الصفيح، وخرير الماء في النافورة، وصفير القطار البعيد في الليل، وضحكة أخته الصغيرة حين يدغدغها. وكان يقول إن لكل مكان في العالم صوتاً، كما أن لكل إنسان وجهاً.

وفي صيف ذلك العام، انتقلت أسرته إلى بيت في «حارة السمّاعين»، أقدم حارة في المدينة القديمة. كانت الحارة ضيّقة، ملتوية، مرصوفة بالحجر، وبيوتها متلاصقة، لها مشربيّات خشبية تبرز فوق الطريق، حتى يكاد الجيران يتصافحون من النوافذ. وكانت مليئة بالأصوات: طرق النحّاس في دكّان الصفّار، ونداء بائع الفول في الصباح، وصياح الديكة على السطوح، وصوت الراديو القديم في المقهى الذي لا يتوقّف عن الغناء.