انتقل إلى المحتوى

الفصل 3

الليل في المكتبة

العمّ فهيم ينقل صوت جرّة إلى زجاجة صغيرة بقرن حاكٍ قديم وهادي وليلى يراقبان من خلف الرفّ

أخبرا الستّ زينب بخطّتهما، فوافقت بعد تردّد طويل، بشرط واحد: أن تكون معهما، تجلس في غرفتها الصغيرة خلف المكتبة، والباب موارب.

قالت: «إن كان فهيم... فأنا أريد أن أعرف لماذا. خمسون سنة لم يأخذ من المكتبة حتى ورقة.»

وحين أغلقت الستّ زينب باب المكتبة في المساء، كعادتها، كان هادي وليلى مختبئين خلف أطول رفّ في الزاوية، جالسين على الأرض، ومعهما بطّانية، ومصباح يدويّ مطفأ، وعلبة بسكويت بالسمسم، وجهاز تسجيل هادي.

وصارت المكتبة في الليل مكاناً آخر.

كانت الجرار تتوهّج في الظلام، كل واحدة بضوئها الذهبي الخافت، فتبدو الرفوف كأنها سماء مليئة بالنجوم. وكانت الأصوات المحبوسة في الجرار تهمس همساً لا يكاد يُسمع: غناء بعيد، وضحكة، وجرس، وأذان. كأن المكتبة نفسها تحلم.

همست ليلى: «هل تسمع؟»

أغمض هادي عينيه، واستمع. وابتسم: «المكتبة تتنفّس.»