الفصل 4
صوت الحارة
خرج الضوء الذهبي من الزجاجة الزرقاء، ودخل في القرن النحاسيّ، ثم انطلق منه إلى الهواء، أعلى وأعلى، وتفتّح في الساحة الرمادية كلّها كأنه زهرة من نور.
وسُمع صوت النافورة.
خرير ماء صافٍ، هادئ، يتساقط في حوض حجريّ. ومعه صوت عصافير تشرب، وأطفال يرشّون الماء على بعضهم، ويضحكون.
صوت نافورة حارة الياسمين.
وفي الساحة الصامتة، بين العمارات الرمادية، انفتحت نافذة. ثم نافذة أخرى. ثم باب شرفة.
وخرجت امرأة عجوز بثوب النوم، ومنديلها على كتفيها، ونظرت إلى الأسفل، إلى الساحة، بعينين واسعتين. ثم وضعت يدها على فمها.
ثم فتح العمّ فهيم الزجاجة الثانية. فانطلق منها صوت رجل أجشّ، دافئ: «عرقسوس يا عطشان... بارد يا عرقسوس...» ومعه رنين الصنجات النحاسية: تِك تِك تِك.
وخرج رجل عجوز طويل إلى شرفته، يتّكئ على عصا، ونظر إلى الأسفل، وصاح بصوت مرتجف: «هذا... هذا صوتي! هذا صوتي قبل ثلاثين سنة!» كان العمّ رجب بائع العرقسوس نفسه.